عبد الملك الجويني
92
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهذا فيه نظر عندي ؛ فإن اعتماد الاجتهاد بمكة ، مع بناء الأمر ابتداءً على عيانٍ ، بعيد ، فلينظر الناظر في ذلك مستعيناً بالله تعالى . والذي ذكرناه في قسم انتفاء الاجتهاد ، والقدرة على درك اليقين . 738 - ومما يتصل بهذا القسم أن من كان بالمدينة وكان يعاين محراب رسول الله صلى الله عليه وسلم وموقفه ، فلا اجتهاد له ، فإنَّ استداد موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم [ مقطوع به ، ولا اجتهاد مع إمكان درك اليقين ، فلو أراد ذو بصيرة أن يتيامن أو يتياسر عن صوب محراب المصطفى صلى الله عليه وسلم ] ( 1 ) ، لم يكن له ذلك ، والذي تخيله زلل ، فلا اجتهاد إذاً جملةً وتفصيلاً . ولو دخل بلدةً أو قرية مطروقة فيها محراب متفق عليه ، لم يشتهر فيه مطعن ، فلا اجتهاد له ؛ مع وجدان ذلك ؛ فإنه في حكم اليقين ، ولو أراد ذو بصيرة أن يتيامن بالاجتهاد قليلاً ، أو يتياسر ، فظاهر المذهب أنه يسوغ ذلك . وسمعت شيخي يحكي فيه وجهاً - أنه لا يجوز ؛ كما ذكرناه في مبهة والمدينة . ومن قال : يتيامن أو يتياسر ، يلزمه أن يقول : حق على من يرجع إلى بصيرة إذا دخل بلدة أن يجتهد في صوب القبلة ، فقد يلوح له أن التيامن وجه الصواب ، وهذا ( 2 ) إن ارتكبه مرتكب ، ففيه بُعد ظاهر ، والعلم عند الله . وتفصيل القول في التيامن والتياسر - مع اعتقاد اتحاد الجهة - يَبين بأمرٍ نذكره بعد ذلك في فصول الاجتهاد . إن شاء الله تعالى . وهذا منتهى القول في أحد القسمين .
--> ( 1 ) ساقط من الأصل ، ومن ( ط ) . ( 2 ) " وهذا إن ارتكبه مرتكب " الإشارة هنا إلى القول بوجوب الاجتهاد في القبلة على ذي البصيرة إذا دخل بلداً ، لا على فعل التيامن أو التياسر عن قبلة البلد . والارتكاب كما يفهم من السياق - هنا وفي مواطن أخرى - معناه أن يدفع المناظرَ حب الغلبة إلى التمادي ؛ حتى يقول بقولِ بعيدٍ عن المنطق والصواب ، وعندها يسمَى ( مرتكباً ) . هذا ولما أصل إلى ( الارتكاب ) بين مصطلحات الجدل والمناظرة ، على كثرة ما راجعت من المؤلفات في هذا الشأن .